الشيخ عباس القمي
48
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار
أوانه ؛ ربّما كان الإقرار بالقصور أنطق من لسان الشكور ، إلى غير ذلك ، ولقد أجاد أبو محمّد الخازن في مدحه في قصيدته المعروفة : لو انّ سحبان باراه لأسحبه * على خطابته أذيال فأفاء ومن كلامه رحمه اللّه في وصف أمير المؤمنين عليه السّلام ونسبته مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : صنوه الذي واخاه وأجابه حين دعاه ، وصدّقه قبل الناس ولبّاه ، وساعده وواساه ، وشيّد الدين وبناه ، وهزم الشرك وأخزاه ، وبنفسه على الفراش فداه ، ومانع عنه وحماه ، وأرغم من عانده وقلاه ، وغسّله وواراه ، وأدّى دينه وقضاه ، وقام بجميع ما أوصاه ، ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام لا سواه « 1 » . الصاحب بن عبّاد ومآثره ومكارم أخلاقه وكان رحمه اللّه حسنة من حسنات الزمان وبقيّة ممّا ترك الأعيان ، ذا مروّة فاتت الواصف وجود أخجل الغمام الواكف ، يحكى من مآثره أنّه كان ينفذ إلى بغداد في السنة خمسة آلاف دينار تفرّق على الفقهاء والأدباء ، وكان في أوان صغره إذا أراد المضيّ إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته دينارا ودرهما كلّ يوم وتقول له تصدّق بها على أوّل فقير تلقاه ، فجعل هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وماتت والدته وله في ذلك حكاية لا يناسب ذكرها المقام ، وكان لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائنا من كان فيخرج من داره الّا بعد الإفطار عنده ، وكانت داره لا تخلو في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها ، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة ، وكانت أيّامه رحمه اللّه للعلويّة والعلماء والأدباء والشعراء وحضرته محطّ رحالهم وموسم فضلائهم ، أمواله مصروفة إليهم وصنايعه مقصورة عليهم ، ولمّا كان ببغداد قصد القاضي
--> ( 1 ) ق : 9 / 56 / 260 ، ج : 38 / 3 .